سهى وجبناء الشاشات والحواسيب

الرئيسية | مقالات | 03 يونيو 2026

محمد الصباري

 

في رابع حلل "عيدنا موكا"، تمد المخا الساحلية ذراعيها على شاطئ البحر الأحمر، فتستقبل الأضاحي بنغم يليق بالمقام.. ينبسط الكورنيش خِطافاً للزائرين أيام الأضحى، فتختلط أريج البن بعبق الزينة، وتفيق روح الاحتفال من مرقدها على الساحل الغربي.

وفي ذروة المشهد، تبرز قصيدة حية باسم سهى المصري تلك التي رُزقت حنجرة لا تشبه غيرها ، تنساب الأنغام من فيها انسياب الماء من صخر صلد.. لكن ثمة من لا تعجبه القصيدة، لا لضعف في بحرها ولا لخلل في قافيتها، بل لأن الورقة التي كتبت عليها لم تكن على المقاس الذي يهواه.!

وما أولئك المهاجمون لسهى، المتربصون بها بالتهكم والسخرية، إلا ثلة لا تزن ريشة غراب.. يتخفون خلف الشاشات كأنها تحصينات، يرمون الحجارة ثم يلوذون بالفرار قبل أن يرى وجه قاذفها.!

لا صوت لهم يسمع في النهار، ولا حضور لهم يذكر في الواقع ، هم عدم يتكلم، وهدير بلا حنجرة.. إن واجهتهم وجهاً لوجه، تلعثمت ألسنتهم وخفتت أصواتهم، لأن الشجاعة في قاموسهم تعني أن تكون مجهولاً.. يظنون أن إخفاء الهوية يمنحهم حصانة، وما هي إلا فضاحتهم الكبرى.

نعم، يا للعجب! كيف يسأل النهر عن لون حصاه، ويعاب المطر على شكل السحابة؟ فنانة بهذا الحجم لا توزن بمكاييل من يختبئون وراء أقنعة فارغة ، تعالوا نصفت السمع:

 سهى المصري ابنة اليمن، من صميم تربتها، تحمل اسماً يوحي بمصر لكنه يبقى لقباً لا ينفي أصلاً.. غنت للوطن في أرقى العواصم وعادت إلى المخا حافية القدمين، تثبت أن الانتساب للتراب لا يكون بالنسب وحده بل بالجهد والحضور.

فما هذه الهجمة الجبانة التي انطلقت من أولئك المتخفين وغيرهم إلا غيظاً من نغمة لا تلين، وقنديل يضيء في زمن معتم.. لو وزنا إسهاماتهم في الفن والوطن، لما ملأت كفة ذبابة ، ولو جمعنا ما قدموه من بهجة أو جمال، لوجدنا الصفر مضروباً في الصفر.. أولئك، لا يستحقون أن نطلق عليهم "جمهوراً" ولا حتى "نقاداً".. هم شواش عابر، شوك في جنب الحقيقة، ودليل قاطع على أن الفراغ قادر على النباح.

إنهم لا يحاكمون سهى اليوم إلا لشيء واحد: تمسكها بهوية ليست مستعارة. فليصرخ الصائحون في واد، وليمض قطار السخرية إلى حتفه، فهي في علوّ من أمرها.. والعجيب أن سهى المصري أكبر من أن تلتفت إليهم، وهم أصغر من أن يُذكر لهم اسم.. تركهم خلف ظهرها خير رد، لأن النصر الحقيقي أن تظل واقفاً شامخاً وهم يغرقون في وحلهم.

فلتذهب أصوات الكراهية إلى حيث تليق، ولنبق نحن مع من يصنع البهجة في المخا. 

تحية إكبار لابنة اليمن التي حملت الوطن على كتفها، ثم حضرت إلى قلبه، مخالفة بذلك من انسلخوا ونسوا.. كبيرة يا سهى، ونحن معك، صوتاً وشجاعة وفناً.