كثرت في الآونة الأخيرة المطالبات الموجهة إلى السفير السابق أحمد علي عبدالله صالح بـ"الخروج"، وتزايدت معها الانتقادات التي تطال صمته وهدوءه السياسي، وكأن المطلوب منه أن يدخل أي معركة، أو يلتحق بأي محور، أو يمنح خصوم الأمس والمنتفعين من خراب اليمن موقفًا يبدد قلقهم منه.
ولكن، إلى أين يخرج؟ إلى الحوثي في صنعاء؟ أم إلى العليمي في الرياض؟ أم يخرج من الإمارات ليعلن تقسيم اليمن؟ وهل نسي هؤلاء المنتقدون أن كثيرًا ممن يرفعون أصواتهم اليوم هم أنفسهم من خذلوا الرئيس صالح، وخذلوا اليمن، وخذلوا أنفسهم؟ ثم يريدون من رجل لم يشارك، منذ عام 2011، في قطرة دم سُفكت في اليمن، أن يتحول إلى ورقة في معاركهم الصغيرة؟
تبدأ حكاية السفير أحمد علي عبدالله صالح من الإنجاز لا من الضجيج؛ فقد ارتبط اسمه أولًا ببناء تجربة عسكرية أكثر انضباطًا وتنظيمًا في الحرس الجمهوري عام 2004، ثم امتد حضوره إلى المجال الصحي عبر مستشفى 48 النموذجي عام 2008، ثم إلى المجال الرياضي والتنظيمي في نجاح خليجي 20 عام 2010، وإلى المجال الخيري عبر مؤسسة الصالح، ثم إلى المجال الإعلامي بتأسيس قناة اليمن اليوم، وصحيفة اليمن اليوم، وإذاعة يمن إف إم، ووكالة خبر، فضلًا عن حضوره في المجال الديني المعتدل من خلال جامع الصالح، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العمل الدبلوماسي سفيرًا لليمن في الإمارات عام 2013.
هذه المحطات تكشف رجلًا لم يدخل مجالًا إلا وترك فيه أثرًا واضحًا: عسكريًا، وصحيًا، ورياضيًا، وخيريًا، وإعلاميًا، ودينيًا، وسياسيًا.
ومع ذلك، تتكرر اليوم الانتقادات ضده بلغة عجيبة: "اخرج، ادخل"، ونسوا أن أحمد علي ومن حوله تعرضوا للاعتداءات المباشرة واللفظية، وللاتهامات، وللعقوبات التي يراها كثيرون ظالمة ولا مبرر أخلاقيًا لها. ومع ذلك، لم يتحول إلى مشروع انتقام، ولم يفتح معركة شخصية بعد حادثة دار الرئاسة، ولم يجعل مقتل والده وقودًا لحرب ثأرية، ولم يضع يده في أي مشروع يمني أو إقليمي يضاعف نزيف البلد. بل ظل صابرًا، هادئًا، ومتمسكًا بفكرة أن اليمن أكبر من الغضب، وأكبر من العائلة، وأكبر من المنصب.
أحمد علي ليس موظفًا سياسيًا يبحث عن مظلة، ولا تابعًا ينتظر إذنًا كي يظهر أو يختفي. هو مشروع وطني قائم بذاته، ورصيده ليس في الشعارات، بل في ما تركه من مؤسسات وتجارب.
ومن يريد أن يخدم وطنه لا يحتاج إلى أن يضع نفسه تحت عباءة أمراء الحرب، ولا تحت حسابات المنتفعين من معاناة اليمنيين، سواء كانوا في الداخل أو في الخارج.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: إلى أين يخرج أحمد علي؟ بل: لماذا يخاف البعض من رجل لم يرفع سلاحًا في وجه اليمنيين، ولم يبنِ حضوره على الدم، بل على العمل، والصبر، وبناء المؤسسات؟ أحمد علي خرج منذ زمن من دائرة الأحقاد، أما الذين يطالبونه بالخروج، فعليهم أولًا أن يخرجوا هم من حساباتهم الضيقة، ومن خوفهم من أي مشروع وطني لا يشبههم.