الساحل الغربي: تراجع يحفظ القوة.. وخسارة البوصلة هي الهزيمة

الرئيسية | مقالات | 14 سبتمبر 2026

محمد الصباري

هناك بيانات عسكرية تكتب لتسجيل ما حدث، وبيانات أخرى تكتب لأن ما حدث أكبر من أن يُترك للقراءة السطحية.. والبيان الصادر عن المقاومة الوطنية بالأمس بشأن معارك الساحل الغربي ينتمي في تقديري إلى النوع الثاني ، ليس لأنه يخفي خسارة أو يحاول تجميلها، بل لأنه يتعامل معها باعتبارها واقعة عسكرية ينبغي تفكيكها، لا مادة للمزايدة السياسية.

أهم ما في البيان بالنسبة لي ليس عدد الشهداء والجرحى، على فداحة الكلفة، ولا عدد قتلى مليشيا الحوثي، على أهميته في قياس ثمن الهجوم.. الأهم هو الطريقة التي قرئت بها المعركة نفسها.

المقاومة الوطنية تقول بوضوح إن ما جرى لم يكن اندفاعة حوثية عادية على خط تماس، وإنما عملية أُعدّ لها مسبقًا، واستخدمت فيها كثافة صاروخية وطيران مسيّر وزوارق مفخخة وحشود بشرية، مع توظيف للتضاريس والسيطرة النارية ومحاولة تطويق القوات المدافعة.

هذه التفاصيل تضع المعركة في سياق مختلف تمامًا.. نحن أمام خصم لا يقاتل بعقلية جماعة داخلية محاصرة داخل جغرافيا يمنية، بل أمام منظومة حرب تتلقى خبرات وتسليحًا وتوجيهًا من خارج الحدود، وتتعامل مع الجغرافيا اليمنية باعتبارها جزءًا من وظيفة إقليمية أوسع..ولذلك فإن قراءة معارك الساحل بمعزل عن البحر الأحمر وباب المندب والمشروع الإيراني في المنطقة تجعلنا نرى جزءًا صغيرًا من الصورة ونفقد تفسير الجزء الأكبر منها.

لكن المسألة الأكثر إثارة للاهتمام هي قرار إعادة التموضع.. في الحروب، هناك فارق هائل بين أن تتراجع قوة لأنها انهارت، وأن تعيد ترتيب انتشارها لأنها أدركت أن استمرارها في الموقع ذاته يخدم خطة خصمها.. البيان يضع القرار في سياقه: الحفاظ على القوة الضاربة، وإفشال مخطط التطويق والتدمير.

وهذه نقطة تستحق التوقف طويلًا ،لأن المعركة لا تقاس دائمًا بعدد الأمتار التي بقيت تحت السيطرة في نهاية اليوم، وإنما بقدرة القوة المقاتلة على الاحتفاظ بقدرتها على خوض اليوم التالي.

التمسك بالموقع لمجرد إثبات عدم التراجع قد يكون بطولة فردية، لكنه ليس بالضرورة عقلًا عسكريًا.. القوات لا تبنى لكي تموت في موضع واحد دفاعًا عن صورة معنوية، وإنما لكي تبقى قادرة على القتال وتغيير موازين الميدان.. ومن هنا فإن إعادة التموضع، إذا نجحت في منع الحصار وحافظت على القوة، لا ينبغي أن تُقرأ تلقائيًا باعتبارها انكسارًا، فقد تكون في ظروف معينة الطريقة الأكثر عقلانية لرفض الهزيمة.

وهنا أصل إلى نقطة أراها أكثر أهمية من كل السجال الذي يمكن أن يُثار حول الخريطة العسكرية. المقاومة الوطنية دفعت ثمنًا بشريًا ثقيلًا.. أكثر من خمسمائة شهيد ونحو ألف وخمسمائة جريح خلال أسابيع من القتال ليست أرقامًا تصلح للخطابة الموسمية.. خلف كل رقم بيت، وأب، وأم، وطفل، ورفاق سلاح يعرفون جيدًا معنى أن يفقد المقاتل من يقاتل إلى جواره.

لذلك فإن أول واجب تجاه هذه الدماء ليس تحويلها إلى ذخيرة في سجالات المنصات، وإنما استخراج الدرس العسكري والسياسي منها. وهذا تحديدًا ما يجعل الفقرة التي يرفض فيها البيان التخوين وتصفية الحسابات جديرة بالانتباه.

في لحظات الخسارة العسكرية، يكون أسهل شيء هو البحث عن شخص نعلق عليه كل شيء. هكذا تتحول المعركة سريعًا من سؤال:

 لماذا حدث ما حدث؟ إلى سؤال: من المسؤول؟ ثم يتحول السؤال الثاني إلى محكمة سياسية مفتوحة، ويبدأ الجميع في توزيع الاتهامات، بينما يبقى السؤال الأول بلا جواب.

البيان اختار الطريق الأصعب: الاعتراف بالكلفة، الدفاع عن المقاتلين، الإشارة إلى طبيعة الهجوم، ثم الدعوة إلى قراءة الموقف بموضوعية واستخلاص العبر. وهذا في رأيي أكثر نضجًا من تحويل معركة عسكرية إلى موسم لتصفية الحسابات. الخصم لا ينتظرنا حتى ننتهي من مشاجراتنا الداخلية.

مليشيا الحوثي لا تحتاج إلى انتصار كامل كي تستفيد من الانقسام الجمهوري.. يكفيها أن تنجح في جعل كل طرف ينظر إلى الطرف الآخر باعتباره المشكلة، وأن تتحول الجبهات إلى جزر منفصلة، وأن يصبح النقاش حول من أخطأ أهم من التفكير في كيفية منع تكرار الخطأ. عندها يصبح الخلاف الداخلي قوة مضافة إلى ترسانة الخصم.

ولهذا فإن أكثر ما ينبغي التقاطه من البيان هو عبارته المتعلقة بأن استعادة الدولة ليست معركة قطاع واحد.. هذه ليست جملة سياسية للاستهلاك. إنها، إذا أُخذت بجدية، قاعدة عسكرية وسياسية كاملة.

المليشيا تقاتل كمنظومة واحدة، حتى عندما تتعدد جبهاتها. أما القوى الجمهورية فكثيرًا ما تتعامل مع الحرب باعتبارها مجموعة ملفات متجاورة: الساحل ملف، وتعز ملف، ومأرب ملف، والضالع ملف، والجوف ملف آخر.. وفي الواقع لا توجد هذه الحدود في عقل الخصم.. حين يضغط الحوثي على جبهة، فهو لا ينظر فقط إلى الأرض التي يريد انتزاعها، بل إلى ما يمكن أن يفعله الضغط في بقية الجبهات، وإلى حجم القوات التي يمكن استنزافها، وإلى الثغرات التي يمكن فتحها في مكان آخر.

لهذا فإن الرد على هذا النوع من الحرب لا يكون بالدفاع المنفرد عن كل جبهة، وإنما بتحويل الجبهات إلى شبكة واحدة.. وهنا تحديدًا تظهر قيمة الحديث عن العمالقة ودرع الوطن ومتطوعي القبائل، وعن الإسناد السعودي، باعتباره جزءًا من صورة أوسع عنوانها وحدة الصف الجمهوري.  قد تختلف التشكيلات في البنية والقيادة والجغرافيا، لكن المعركة في نهايتها واحدة: دولة في مواجهة مشروع يريد ابتلاعها وتحويل جغرافيتها إلى منصة لخدمة حسابات خارجية.

والحقيقة التي يجب ألا نخجل من قولها هي أن الحرب الطويلة علّمتنا أن الشجاعة وحدها لا تكفي. الشجاع الذي يقف في الخندق ضرورة، لكن الدولة تحتاج فوق ذلك إلى عقل يقرأ الخريطة، وقيادة توحد الموارد، واستخبارات تعرف أين يتحرك الخصم، وإسناد يستطيع منع تحوّل التفوق الناري إلى تفوق ميداني، وقرار سياسي يفهم أن المعركة لا تُدار بجبهة واحدة ولا بمزاج طرف واحد.

ولذلك فإن الحديث عن أكثر من خمسمائة شهيد يجب ألا ينتهي عند الترحم عليهم. هؤلاء الشهداء يفرضون سؤالًا ثقيلًا: ماذا تعلمنا؟

إذا كانت مليشيا الحوثي قد استطاعت حشد هذه الكتلة البشرية والنارية، وإدخال عناصر وخبرات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، واستثمار التضاريس والسيطرة على المرتفعات، فالمطلوب ليس فقط أن نثبت أننا نستطيع صد الهجوم، بل أن نعيد بناء طريقة التعامل مع الحرب نفسها.

وإذا كانت المعركة قد أثبتت أن خطوط التماس ليست ثابتة، وأن الجبهات يمكن أن تتأثر ببعضها، فإن الخطأ سيكون في العودة إلى إدارة الحرب بعقلية القطاعات المنفصلة.

وإذا كانت إعادة التموضع قد حافظت على القوة الضاربة وأفشلت الحصار، فالمطلوب ألا تتحول هذه الخطوة إلى محطة دفاعية دائمة، بل إلى مساحة لإعادة التنظيم واستعادة المبادرة عندما تتوافر شروطها.

أما الحوثي، فلا أظنه سيقرأ هذه المعركة بالطريقة التي يقرأها كثيرون على منصات التواصل. هو سيحسب ما كسبه، وما خسره، وما كشفته المعركة عن قدراته وعن قدرات خصمه، وأين يمكن أن يكرر المحاولة، وأين يمكن أن يغير الأسلوب. وهذه هي العقلية التي ينبغي أن تُقابَل بها حربه.

لذلك لا أرى أن السؤال الصحيح اليوم هو: من انتصر ومن انهزم؟ السؤال الأصح: من خرج من المعركة أكثر قدرة على خوض المعركة التالية؟

إذا حافظت المقاومة الوطنية على قوتها، وأعادت ترتيب صفوفها، واستخلصت دروس الأسابيع الماضية، وظلت قادرة على القتال ضمن منظومة وطنية أوسع، فإن ما حدث يصبح معركة قاسية بكلفة مؤلمة، لا نهاية لمسار طويل.

أما الخطر الحقيقي فيبدأ عندما تتحول الخسارة التكتيكية إلى هزيمة في الوعي، وعندما تتحول الدماء إلى وقود للشماتة، وعندما يستبدل المقاتلون بعضهم ببعض في منصات التواصل بدل أن يتساندوا في الخنادق.

أنا لا أعتقد أن الجمهورية تملك ترف ذلك. لدينا خصم يعرف ماذا يريد، حتى وإن اختلفنا في تقدير قدرته على الوصول إليه. ولديه مشروع واضح، وسنوات طويلة من بناء القوة، واستعداد لدفع آلاف اليمنيين إلى الموت من أجل إبقاء سلطته وتحويل اليمن إلى ورقة في يد طهران.

في المقابل، لا يجوز أن يكون رد القوى الجمهورية مجرد الدفاع عن المواقع التي تهاجمها المليشيا. المطلوب أن تنتقل من إدارة رد الفعل إلى صناعة الفعل، ومن حماية كل جبهة على حدة إلى جعل الجبهات كلها جزءًا من ضغط واحد.

وهنا تصبح صنعاء أكثر من اسم لمدينة بعيدة في نهاية الخريطة. تصبح اتجاهًا سياسيًا وعسكريًا.

لذلك فإنني أقرأ خاتمة البيان- «الجمهورية بوصلتنا وصنعاء وجهتنا»-باعتبارها أهم من مجرد عبارة ختامية. قيمتها الحقيقية تتوقف على ما سيأتي بعدها:  هل تتحول إلى تصور متكامل للحرب؟ هل تتقارب الجبهات؟ هل تُبنى غرفة سياسية وعسكرية واحدة؟ هل تصبح دماء الساحل درسًا في إدارة المعركة الوطنية لا مادة للمناكفات؟ هذا هو الاختبار الحقيقي.

أما الذين يريدون اختزال كل شيء في مشهد تراجع أو تقدم، أو في انتصار طرف وهزيمة طرف، فهم ينظرون إلى الحرب من نافذة ضيقة جدًا.

والجمهورية التي دفعت كل هذه الدماء لا تحتاج إلى من يصفق لها حين تتقدم، ولا إلى من يشمت بها حين تتراجع. تحتاج إلى عقل يتعلم، وقيادة توحد، ومقاتل يعرف لماذا يقاتل، وقرار لا يسمح للخصم بأن يحول اختلافاتنا إلى انتصارات مجانية.

أما خسارة البوصلة، فهذه هي الهزيمة التي لا ينبغي أن نسمح بها.