قراءة  في نص وصايا مجانية من ديوان "مجنون رسمي" للشاعر الكبير محمد مسعد الصيادي

الرئيسية | أدب وفن | 25 يونيو 2026 07:30 ص
الشاعر محمد مسعد الصيادي

الشاعر محمد مسعد الصيادي

القصيدة تتحرك بلغة قريبة من المجالس ومن ذاكرة الناس اليومية لكنها لا تقف عند حدود المفردة الشعبية بل تجعلها حاملة لمعنى اكبر..

بقلم - عبده المحيّا:

بينما كنت اتصفح واتابع ما يقدمه لنا الشاعر الكبير محمد مسعد الصيادي في ديوانه التاسع مجنون رسمي توقفت طويلا امام نصه وصايا مجانية ذلك النص الذي لم يمر علي مرورا عابرا بل استوقفني بما فيه من حكمة وتجربة وصدق وعمق شعبي جميل فأعدت قراءته اكثر من مرة وكلما عدت اليه انكشف لي فيه معنى جديد ودهشة اخرى.

لقد اذهلني الشاعر بطريقة تعاطيه مع النص وكيف استطاع ان يجعل الوصية البسيطة بابا واسعا للتأمل وان يحول التجربة الشخصية الى درس انساني يصل الى كل قارئ لذلك حاولت ان اكتب هذه القراءة حسب فهمي وذائقتي لا ادعاء للإحاطة بكل ما في النص ولكن وفاء لجماله واعترافا بما تركه في نفسي من اثر. .... ما اجمل هذا النص حين يخرج في هيئة وصايا شعبية مباشرة لكنه يحمل في داخله خلاصة رجل عرف الناس وذاق تقلب المواقف وفهم ان الحياة لا تمنح حكمتها الا لمن تعب وراقب وصبر فالقصيدة هنا ليست مجرد نصائح عابرة بل دفتر تجربة مفتوح يضع القارئ امام ميزان دقيق بين الطيبة والسذاجة وبين الحلم والضعف وبين التسامح الذي يرفع صاحبه والسماحة الزائدة التي قد تجعله فريسة لمن لا يستحق.

لقد بنيت النص على تكرار الرقم ثلاث فكان هذا التكرار مفتاحا فنيا جميلا يربط الوصايا بعضها ببعض ويجعلها كأنها بنود من عهد اخلاقي واجتماعي فكل ثلاثية تكشف جانبا من فهمك للحياة مرة في اختيار الرفيق ومرة في حفظ الاخ سندا ومرة في التعامل مع الجاهل ومرة في التمسك بالدين والاعتزاز بالاهل والناس.

واللافت ان القصيدة تتحرك بلغة قريبة من المجالس ومن ذاكرة الناس اليومية لكنها لا تقف عند حدود المفردة الشعبية بل تجعلها حاملة لمعنى اكبر فالفهلوة والبلطجة واللغاجة والفجاجة والزغاجة ليست مجرد الفاظ محلية بل علامات على طبائع بشرية يعرفها المجتمع جيدا ويحتاج الشاعر ان يسميها بلغتها كي تصل النصيحة بلا تكلف ولا تجميل.

في هذا النص تظهر الحكمة في ثوبها الشعبي الصادق فأنت لا تطلب من الانسان ان يكون قاسيا ولا تدعوه ان يكون لينا حتى ينكسر بل تضعه في منطقة الوعي حيث يحفظ دينه ويصون كرامته ويتمسك بناسه ولا يترك الجاهل يجره الى خصومة خاسرة ولا يدخل مع الجبان حربا يعرف ان نهايتها انطفاء السراج وخسارة الجنود.

واجمل ما في النص انك جعلت الوصية صادرة من قلب محب لا من صوت متعال فقولك لصاحبك ان النصائح صريحة لا يعني القسوة بل يعني الصدق وقولك انك تسوقها دون حاجة يكشف نقاء المقصد وصفاء النية فكأن الشاعر هنا يعطي خلاصة عمره مجانا لمن يريد ان يتفطن ويدقق.

وفي الخاتمة يكتمل البعد الانساني حين تخاطب قارئ اشعارك وتقول ان القلب تعب ولكن خراجه على الله وهنا تنفتح القصيدة على وجع خفي وتجربة موجعة تجعل القارئ يشعر ان هذه الوصايا لم تكتب من فراغ بل خرجت من قلب اثقلته التجارب ولم يفقد مع ذلك قدرته على النصح والوفاء والمحبة.

لقد كتبت أيها الشاعر الكبير  نصا حكيما بنكهة شعبية صادقة نصا فيه رائحة المجالس وصدق المواقف وحرارة التجربة نصا لا يكتفي ان يقول للقارئ احذر بل يعلمه كيف يحذر دون ان يفقد اصله وطيبته ولا يترك نفسه نهبا للسذاجة والخذلان.

وصايا مجانية

ثلاث ماشي لك بهن أي حاجة

الفهلوه والبلطجة والسماجة

 

وثلاث جودهن واحرص عليهن

الحلم والطيبة وترك السذاجة

 

وثلاث لو خالفتهن طاح حظك

وانكسر قلبك ككسر الزجاجة

 

الأوله خلك حذر من رفيقك

إياك ان تخدع بفلة حجاجه

 

والثانية أخوك خله سنادك

حتى ولو كثر عليك اللغاجة

 

والثالثة لا جاك جاهل يجادل

تحمل أقواله ولو هي فجاجة

 

وثلاث لو ما صنتهن صرت خاسر

وبين قومك ما تساوي دجاجة

 

الأوله منهن تمسك بدينك

والثانية لا ترتهن للخواجة

 

والثالثة خلك مفاخر بناسك

حتى ولو هم كل ابوهم عواجة

 

وثلاث طلقهن ومن دون

رجعة الكبر والتبذير عند الزواجة

 

وثالثتهن احترس يا رفيقي

ان تاكل اللحمة وهي فوق صاجة

 

يا صاحبي جيتك عجل والنصايح

صريحةٍ لا تعتبرها زغاجه

 

ولا تعادي من يحب التسامح

ولا تساوم بدوي عن نعاجه

 

ولا تحارب حيث تخسر جنودك

عند الجبان اللي يطفي سراجه

 

هذي وصايا صادقة يا صديقي

وسقتهن لك دون  مطلبك حاجة

 

يا قاري اشعاري تفطن ودقق

قلبي تعب لكن على الله خراجه