حشد نت- عدن:
في تطور دبلوماسي غير مسبوق، تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً في الأزمة التي عصفت بالاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وقاد حملة خلف الكواليس لإفشال مشروع كان من شأنه فتح الحقوق التجارية لبطولات الفيفا أمام المستثمرين من القطاع الخاص.
وكشفت صحيفة "ليكيب" الفرنسية، الإثنين، أن ماكرون أجرى خلال الأيام الماضية اتصالات مكثفة مع الأطراف المعنية، في مشهد يعكس تحول الأزمة من صراع إداري داخل أروقة كرة القدم إلى ملف سياسي يدخل أعلى مستويات الدولة الفرنسية.
ووفقاً لمصادر مقربة من الإليزيه، فإن ماكرون أبلغ رئيس الفيفا جياني إنفانتينو خلال اتصال هاتفي مباشر قبل الاجتماع الحاسم للاتحاد الأوروبي (يويفا) برفضه القاطع للمشروع، داعياً إياه إلى "الحفاظ على وحدة كرة القدم العالمية وتجنب حدوث انقسام دائم بين القارات والاتحادات القارية".
وتأتي هذه الخطوة في سياق موقف ثابت للرئيس الفرنسي، حيث شبه المصادر تحركه الحالي بمعارضته الشرسة لمشروع دوري السوبر الأوروبي في عام 2021، الذي اعتبرته باريس تهديداً لمبادئ التضامن والاستحقاق الرياضي التي تقوم عليها كرة القدم .
لم يكتف ماكرون بالاتصال بإنفانتينو، بل امتدت تحركاته الدبلوماسية لتشمل دعم حلفائه. فقد أعرب عن دعمه الكامل لرئيس يويفا ألكسندر تشيفرين، الذي قاد جبهة معارضة أوروبية موحدة للمشروع
كما تواصل مع رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم فيليب ديالو، الذي كان من أوائل رؤساء الاتحادات المحلية الذين أعلنوا رفضهم للمقترح، إضافة إلى اتصال برئيس الاتحاد الأفريقي باتريس موتسيبي لحشد الدعم للموقف الأوروبي .
وجاء المشروع المثير للجدل، الذي كان يحمل اسم "FIFA Forward Enterprise"، لبيع حصة أقلية (نحو 20%) من الحقوق التجارية لبطولات الفيفا، بما في ذلك كأس العالم، عبر كيان جديد مفتوح للاستثمار الخاص، في صفقة قدرت قيمتها بمليارات الدولارات. إلا أن الخطة قوبلت بمعارضة عنيفة من يويفا واتحادات قارية أخرى، بل وهددت بوقف المشاركة في بطولات الفيفا المستقبلية.
وتساءلت مصادر مقربة من ماكرون عن جدوى المشروع في ظل الوضع المالي القوي للفيفا، مشيرة إلى أن الإيرادات المتوقعة من كأس العالم 2026 تقارب 15 مليار دولار، وأن المنظمة تمتلك احتياطياً نقدياً يقدر بنحو 5 مليارات دولار، وهو ما يجعل فتح الباب أمام المستثمرين الخاصين غير مبرر.
أسفرت هذه الضغوط السياسية والدبلوماسية عن تراجع الفيفا عن مشروعها بين ليلة الجمعة والسبت الماضيين، في انتصار للجبهة الأوروبية بقيادة تشيفرين وماكرون خلف الكواليس.
ومع ذلك، لم تهدأ الأزمة بعد، حيث لا تزال الأصوات تتعالى داخل أروقة الفيفا للمطالبة بإصلاحات هيكلية وإعادة النظر في النهج التجاري الذي يتبعه إنفانتينو منذ توليه الرئاسة .
وعند سؤال مصدر في الإليزيه عن موقف فرنسا من مستقبل إنفانتينو في ظل اقتراب انتخابات رئاسة الفيفا عام 2027، كان الرد حاسماً: "فرنسا تدعم بالكامل ألكسندر تشيفرين"، في إشارة واضحة إلى أن باريس لن تتردد في استخدام ثقلها السياسي لحماية نموذج كرة القدم الأوروبي الذي يقوم على الانفتاح والتضامن المالي.