حشد نت - عدن:
في مشهد هزّ عشاق كرة القدم حول العالم، هبط ليونيل ميسي على أرض طفولته باكياً، الأحد، ليودع الرجل الذي كان أكثر من مجرد والد: خورخي ميسي، البوصلة التي قادت أعظم مسيرة في تاريخ المستديرة، الذي وافاه الأجل عن 68 عاماً بعد معاناة مع المرض.
وصل نجم إنتر ميامي وقائد منتخب الأرجنتين إلى مطار روساريو في ساعة متأخرة من الليل، برفقة زوجته أنتونيلا وأطفالهما، جميعهم يرتدون السواد في ليلة اكتسى فيها الحزن سماء المدينة التي شهدت ولادة أسطورة.
استقل ميسي سيارة فان تحت حراسة شرطية، متجهاً إلى مراسم جنازة خاصة في بلدة بيريس المجاورة، حيث سيُوارى جثمان والده الثرى في إطار عائلي ضيق.
لم يكن خورخي مجرد والد عادي. كان الرجل الذي ترك وظيفته المستقرة في قطاع الصناعات المعدنية، وزوجته وأطفاله الثلاثة الآخرين، وهاجر مع ابنه البالغ من العمر 13 عاماً إلى برشلونة ليتحمل وحده وطأة الغربة، من أجل أن يحصل ليو الصغير على علاج نقص هرمون النمو.
كان هو المدرب الأول، والوكيل الحصري، والمفاوض الشرس الذي أبرم عقوداً تاريخية مع برشلونة وباريس سان جيرمان وميامي.
في أحد أندر لحظات الضعف التي كشف عنها ميسي، قال ذات يوم: "عندما وصلنا إلى برشلونة، كنت أغلق على نفسي غرفتي لأبكي وحدي، وكان والدي يفعل الشيء نفسه. كنا نتظاهر بأننا بخير، لكننا كنا نعاني". كانت تلك الليالي الباردة في كاتالونيا هي الرحم الذي نضجت فيه أسطورة.
ومع أن مسيرة الأب والابن لم تخلُ من عواصف قضائية، حيث واجها اتهامات بالتهرب الضريبي في إسبانيا أواخر العقد الأول من الألفية، والتي انتهت بدفع غرامات بملايين الدولارات، فإن ما يبقى في الذاكرة هو ذلك الرجل الذي وقف خلف الصبي الخجول وحوله إلى ظاهرة كروية.
على بوابات مقبرة إل برادو في روساريو، ترك المشجعون رسائلهم المكتوبة بخط اليد: "ابقَ قوياً يا ليو، نحن نحبك"، و"ابقوا أقوياء، عائلة ميسي"، إلى جانب إكليل ضخم من الزهور.
وفي ميامي، حيث يلعب ميسي حالياً، خاض زملاؤه في إنتر ميامي مباراتهم مرتدين شارات سوداء، وبعد أن سجل رودريغو دي بول هدفاً، خلع قميصه ليكشف عن قميص ميسي رقم 10، في لفتة مؤثرة جعلت الملعب يهتف باسم القائد الغائب.
وكانت التعازي الأولى من الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم ونادي برشلونة، حيث قال النادي الكاتالوني في بيانه: "يشكر نادي برشلونة خورخي ميسي على التزامه تجاه نادينا، وعلى ثقته بنا خلال بدايات ومسيرة ابنه ليو الكروية في سنواتها الزاهرة".
أما زملاء ميسي في المنتخب، فكانوا في الموعد. قال لياندرو باريديس، لاعب وسط بوكا جونيورز، للصحافيين: "وجودنا هنا في روساريو سيُسعده بالتأكيد"، مضيفاً أنه ينسق مع زملائه لزيارة العائلة في الأيام القادمة.
رحل خورخي ميسي، لكنه ترك خلفه أكثر من مجرد ألقاب وكؤوس. ترك رجلاً يبلغ من العمر 38 عاماً، يحمل على كتفيه ثقافة اللعبة بأكملها، ويعرف تماماً أن أول من علّمه المشي على العشب كان ذلك الرجل الذي غادر ورشة المعادن ليصنع من ابنه أعظم لاعب في التاريخ.