حشد نت - قسم الأخبار
في الوقت الذي تضع فيه مليشيا الحوثي الإرهابية ما تسميه «كسر الحصار» في صدارة مبررات تصعيدها العسكري، تكشف المعطيات الميدانية والسياسية المحيطة بالتصعيد صورة أكثر تعقيدًا من الرواية التي تروجها المليشيا. فحركة الطيران في مطار صنعاء خلال الساعات الأخيرة، بالتزامن مع تقارير عن تنامي الدور الإيراني في توجيه العمليات الحوثية، تثير تساؤلات جدية بشأن حقيقة الدوافع التي تقف وراء التصعيد واتساع نطاقه.
وخلال أقل من 24 ساعة، شهد مطار صنعاء الخاضع لسيطرة مليشيا الحوثي وصول خمس طائرات، بينها طائرة شحن كينية وأربع طائرات مرتبطة بمنظمات دولية، وفق بيانات تتبع الرحلات ومعلومات ملاحية نشرتها مصادر محلية. وشملت الرحلات طائرات تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر وأطباء بلا حدود والأمم المتحدة، وصلت عبر مسارات مختلفة من بينها جيبوتي وعدن والأردن، فيما وصلت طائرة شحن من كينيا مباشرة إلى صنعاء.
وتكشف هذه الحركة الجوية أن مطار صنعاء لم يكن معزولًا بصورة كاملة عن الرحلات الدولية والإنسانية، الأمر الذي يضع الاستخدام الحوثي لعبارة «الحصار» في سياق يحتاج إلى التدقيق، خصوصًا أن المليشيا توسع عملياتها العسكرية إلى أهداف وجبهات تتجاوز مسألة حركة الطيران المدني والاحتياجات الإنسانية.
وفي هذا السياق، تكتسب التقارير التي تتحدث عن الدور الإيراني أهمية خاصة. فقد نقلت رويترز في أغسطس عن مسؤول سعودي أن هجمات من الحوثيين ومجموعات مسلحة عراقية كان يُتوقع أن تكون منسقة تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني. كما سبق للوكالة أن نقلت عن مصادر أن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق طريق النفط في البحر الأحمر إذا تعرضت منشآت إيرانية لهجوم أميركي، بما يعكس ارتباط التحرك الحوثي بحسابات الصراع الإقليمي الأوسع.
ولا تقف دلالة التصعيد عند حدود الهجمات على السعودية، إذ تتزامن التحركات الحوثية مع تركيز متزايد على الساحل الغربي والممر البحري المؤدي إلى باب المندب. وكانت رويترز قد أفادت في 10 سبتمبر بأن الحوثيين وصلوا إلى جزر حنيش في البحر الأحمر بعد السيطرة على مدينة المخا، في تطور اعتبرته مصادر يمنية ذا تداعيات مباشرة على أحد أهم طرق الملاحة العالمية.
وتمنح السيطرة على الساحل والجزر والمواقع القريبة من باب المندب أهمية استراتيجية تتجاوز الحسابات المحلية؛ فالمضيق يمثل بوابة رئيسية لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. ومع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، تزداد حساسية الممرات البحرية التي تربط أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وتشير بيانات الملاحة التي نقلتها رويترز في سبتمبر إلى انخفاض حركة السفن التجارية عبر هرمز، بالتزامن مع استمرار حركة الملاحة في باب المندب عند مستويات أقل من متوسطها المعتاد، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات الصراع الإقليمي على أمن خطوط الشحن.
وعلى هذا الأساس، تبدو عبارة «كسر الحصار» غير كافية لتفسير اتساع نطاق العمليات الحوثية وتعدد ساحاتها. فالمشهد يجمع بين تصعيد يستهدف السعودية، وتحركات عسكرية على الساحل الغربي، وتهديدات تمس أحد أهم الممرات البحرية الدولية، إلى جانب تقارير متكررة عن تنسيق ودعم إيرانيين للحوثيين.
وفي ظل هذه المعطيات، تتحول الجغرافيا اليمنية، ولا سيما الساحل الغربي وباب المندب، إلى جزء أساسي من الحسابات الإقليمية المرتبطة بالصراع مع إيران. وبينما تقدم مليشيا الحوثي «الحصار» بوصفه مبررًا لتصعيدها، تشير الوقائع والتحركات الميدانية إلى أن نطاق المواجهة يتصل بأمن السعودية والممرات البحرية الدولية وتوازنات الصراع الإقليمي، وهي ملفات تتجاوز بكثير حدود مطار صنعاء وحركة الرحلات المدنية والإنسانية.