حين يخرج الجوع إلى الشارع.. إيران بين الفقر والقطيعة

الرئيسية | مقالات | 07 يناير 2026

تمام أبو صافي

لم تخرج الاحتجاجات الإيرانية في نهاية 2025 من فراغ، ولا يمكن اختزالها في "تحريك خارجي" أو "مؤامرة عابرة"، كما تحاول الرواية الرسمية تصويرها. ما خرج إلى الشارع هو الفقر حين يعجز عن الصمت، والاقتصاد حين يفقد قدرته على الاحتمال، بعد سنوات من الضغوط المعيشية التي لم تعد قابلة للإدارة بالوعود أو الخطاب التعبوي.

تشير تقديرات البنك الدولي ومراكز أبحاث مستقلة إلى أن نحو ثلث الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر وفق التعريفات الوطنية، فيما ترفع تقديرات أوسع- تأخذ التضخم وتآكل الدخل الحقيقي بالحسبان- النسبة إلى 35–40%. هذه الأرقام لا تعكس مجرد تراجع معيشي، بل انهيارًا في العقد الاجتماعي: رواتب شبه جامدة، عملة منهارة، وأسعار غذاء وإيجارات تتضاعف، في مقابل دولة تطلب من مواطنيها الصبر باسم "المواجهة الكبرى" و"الاستحقاق التاريخي". في هذا السياق، يصبح الشارع خيارًا اضطراريًا لا ترفًا سياسيًا، ويغدو الاحتجاج فعل بقاء لا فعل اعتراض فقط.

"لا غزة ولا لبنان... حياتي لإيران" ليس هذا الشعار هجومًا على شعوب أخرى، ولا تنكّرًا لقضايا إقليمية عادلة، بل صرخة وطنية صافية في وجه نظام جعل الخارج أولوية دائمة، والداخل عبئًا مؤجلًا. الشعار يقول بوضوح: نحن نموت هنا... بينما تُصرف مواردنا هناك. إنه رفض مباشر لتحويل السياسة الخارجية إلى ذريعة أبدية لتبرير الفقر، والقمع، وسوء الإدارة، وإعلان قطيعة مع منطق "التضحية الدائمة" بلا مقابل اجتماعي أو اقتصادي. وهو، في جوهره، إعادة تعريف لمعنى الوطنية: الوطن أولًا، والمواطن قبل الشعارات.

من الهتاف إلى القطيعة الأكثر دلالة في احتجاجات اليوم ليس فقط اتساعها الجغرافي، بل لغة هتافاتها. حين يُعاد تداول هتافات تمجّد الشاه أو تستحضر ما قبل 1979، فالأمر لا يعكس حنينًا سياسيًا منظمًا بقدر ما هو رفض صريح للنظام القائم. استدعاء الشاه هنا ليس مشروعًا بديلًا، بل أداة رمزية لقول: كل ما أنتم عليه مرفوض... حتى خصمكم التاريخي صار أهون. هذا التحوّل يعكس قطيعة نفسية وسياسية عميقة مع النظام، لا احتجاجًا إصلاحيًا محدود السقف، ويشير إلى تآكل شرعية الخطاب الرسمي لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب والطبقة الوسطى المتآكلة.

الغرب... دعم أم توظيف؟ تاريخيًا، لم يكن الغرب نصيرًا حقيقيًا للإيرانيين، بقدر ما كان مستثمرًا في أزماتهم؛ ففي لحظة مفصلية من تاريخ إيران، لم يتردد الغرب في القبول- بل والتسهيل- لوصول هذا النظام إلى السلطة العام 1979، ليس احترامًا لإرادة الشعب الإيراني، بل قطعًا للطريق على حزب "توده" والتيارات اليسارية التي كانت تُعدّ، في سياق الحرب الباردة، الخطر الحقيقي على المصالح الغربية.  لم يكن السؤال آنذاك: ماذا يريد الإيرانيون؟ بل: أي نظام يضمن إبعاد إيران عن المعسكر السوفييتي؟ ومنذ ذلك الحين، تعاملت العواصم الغربية مع إيران بوصفها ملفًا أمنيًا لا مجتمعًا حيًا. تُدان الاحتجاجات حين تهدد الاستقرار الإقليمي، وتُستثمر حين تخدم معادلات الردع، أو تُوظَّف في سياق أمن إسرائيل وإعادة ضبط التوازنات الإقليمية. أما الإيراني العادي، فغالبًا ما يُترك وحيدًا بين قمع الداخل وبراغماتية الخارج. ولهذا؛ لا يبدّد التعاطف الغربي الخطابي شكوك الشارع الإيراني، الذي خبر طويلًا كيف تتحول معاناته إلى ورقة تفاوض لا أكثر.

الخلاصة: ما يجري في إيران اليوم ليس تمرّدًا أيديولوجيًا، بل انتفاضة معيشية تحوّلت إلى مساءلة وجودية للنظام. خرج الناس لأن الفقر تجاوز عتبة الاحتمال، وهتفوا لأن الصمت لم يعد خيارًا، واستدعوا رموز الماضي لأن الحاضر أغلق كل الأبواب. أما السؤال الحقيقي، فليس: هل ستنجح هذه الاحتجاجات؟ بل: إلى متى تستطيع دولة أن تُدير نار الشارع بحدود القمع، قبل أن تكتشف أن الحريق بات في الداخل؟

*كاتبة بحرينية