الولاية بالسلاح: حرائر تُذل.. وكرامتها تموت

الرئيسية | مقالات | 25 فبراير 2026

محمد الصباري

شاهدت مؤخراً مقطعاً لأحد قيادات المليشيا الحوثية، وهو يتحدث بكل ثقة عن "الولاية" وعن "فضلهم" الإلهي الذي يمنحهم حقاً مطلقاً في رقاب اليمنيين وأموالهم.. كان يتحدث وكأنه يقرأ من نص قديم، غير مدرك أن من يستمعون إليه خلف الشاشات، هم أناس أنهكتهم عشر سنوات من الجوع والفقر والقهر.. استوقفتني في خطابه فكرة واحدة: كيف لخرافة أن تعيش طويلاً هكذا؟ وكيف لدين قام على المساواة والعدل أن يتحول إلى أداة بيد عصابة تستبيح بها وطناً بأكمله؟

ما يحدث في اليمن لا يعد مجرد صراع سياسي على السلطة، بل هو مشروع "تأليه" لفئة بعينها، تحت مسمى "الولاية".. مشروع يريد إقناع شعب بكامله أن الله عز وجل اختار "سلالة" معينة لتكون وصية على رقاب الناس وأرواحهم.. هذا الطرح لا يصطدم فقط مع الفطرة الإنسانية التي ترفض وصاية أحد على حريتها، بل يصطدم مع صميم الإسلام الذي يقول: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).. فإذا كان التفاضل بالتقوى، فأين يذهب هؤلاء بحديث "النسب المميز" الذي يستبيحون به دماء اليمنيين؟

لطالما تأملت هذا التناقض الصارخ.. جماعة تتحدث عن حب آل البيت، وتمتطي اسم الإسلام راية لها، بينما تمارس أبشع أشكال الاستبداد.. أي حب هذا الذي يبدأ بإذلال الناس وحرمانهم من لقمة العيش؟ أي تشيع هذا الذي يتحول فيه أتباعه إلى حراس لقبور وسراديب، بينما تحترق بيوت الأحياء وتسبى كرامتهم في طوابير الخبز وكيس الأرز..؟

نعم، طوابير الخبز.. هذا هو الوجه الحقيقي لـ"الولاية" التي يتغنى بها دعاة النسب.. حرائر اليمن، اللواتي كن يوماً رمزاً للعزة والأنفة، نقف اليوم مذهولين ونشاهدهن يتزاحمن على فتات الخبز في مشاهد لم يعهدها اليمن عبر تاريخه.. هذه ليست "وصاية إلهية" ولا "كرامة آل البيت".. هذه نتيجة حتمية لعقلية استعلائية تنظر لليمني على أنه مجرد "رعية" و"تابع" لا حق له إلا ما أمضاه سيده.

الأكثر إيلاماً في هذه المهزلة البشعة، هو التاريخ نفسه.. فاليمن، هذا البلد الأصيل، استقبل جدهم الأكبر "الهادي إلى الحق" قبل أكثر من ألف عام، ليس كسيد أو وصي، بل كطالب علم لاجئ ولّت به الدنيا فوجد في يمن الكرماء والأشراف ملاذاً آمناً.. كان اليمنيون يومها أصحاب أرض وسيادة، قدموا الحماية لمستجير.. أما اليوم، وفي قلب تناقض مأساوي، نجد أحفاد أولئك المستجيرين يذلون أحفاد من آووهم، ويقتلونهم، ويشردونهم، وينتهكون أعراضهم. أي ميراث هذا الذي يورث النكران بهذا الشكل؟

ما يفعله الحوثي ليس أكثر من "أسلمة" للاستبداد السياسي.. إنهم يلبسون شهوة السلطة ثوباً دينياً، ويزينون القمع باسم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".. يستغلون قدسية النسب النبوي في أذهان البسطاء ليمارسوا أبشع الجرائم في حق الإسلام نفسه قبل أن يمارسوها في حق اليمنيين.. إنهم يسطون على الرسالة المحمدية، ويحولونها من رسالة رحمة للعالمين إلى أداة ترهيب لشعب واحد.

لقد مر على سيطرة هذه الجماعة على صنعاء أكثر من عشر سنوات.. عشر سنوات لم نر فيها مدينة واحدة تزدهر، أو جامعة واحدة تتقدم، أو خدمة واحدة تتحسن.. كل ما رأيناه هو الموت، والجوع، والتهجير، وما يسمونها "الثقافة القرآنية" التي تملأ رؤوس الصغار قبل أن يكسروا حجراً، ليصبحوا وقوداً لحرب لا تعنيهم.

أيها القارئ، إذا أردت أن تعرف مدى بشاعة هذا المشروع، ما عليك إلا أن تنظر إلى وجوه اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثي.. نظراتهم تحكي قصصاً لا تستطيع الكلمات وصفها.. إنهم شعب يعيش حالة كراهية وبغض غير مسبوقة لهذه الجماعة، لكن السلاح وحده هو الذي يمنعهم من التعبير عما في داخلهم.. فالولاية التي يتحدثون عنها لا تفرض بالإقناع، بل بقوة السلاح وبطش المليشيا، وإلا فليشرح لنا أحدهم: لماذا يحتاج "الأوصياء الإلهيون" إلى كل هذا السلاح والمنظومة الأمنية  لقمع رعيتهم؟!

في النهاية، أستطيع القول بثقة: إن ما تسمى بـ"الولاية" في خطاب الحوثي ليس أكثر من قشرة خارجية لاستبداد داخلي مريع.. إنه تشويه للدين، وإهانة للنسب النبوي الشريف، وجريمة بحق شعب بأكمله.. لن يمر هذا المشروع، لأنه مشروع ضد الإنسانية قبل أن يكون ضد السياسة..  لكن الذي يحزنني حقاً، هو الثمن الباهظ الذي يدفعه اليمنيون كل يوم، في صمت العالم، بينما يبحثون عن كسرة خبز في بلد يملك من الخيرات ما يكفي لإطعام المنطقة بأكملها.

دمتم ودامت كرامتكم. ورمضان كريم