يثير السؤال حول سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعامله مع إيران جدلاً واسعاً، هل كان قرار الحرب تعبيراً عن تهور سياسي، أم مغامرة غير محسوبة، أم جزءاً من استراتيجية دقيقة لتحقيق أهداف محددة؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، قد يكون مضللاً إذا ما تم فصله عن معيار أكثر موضوعية في تقييم الحروب، هي النتائج.
في الأدبيات السياسية والعسكرية، لا يُقاس النجاح في الحروب بخطابات النصر أو شعارات الهزيمة، بل بمدى تحقق الأهداف التي دفعت إلى اندلاعها. ومن هذا المنطلق، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما تطرحه الانطباعات الأولية أو المواقف العاطفية.
الهدف المعلن للتحرك الأمريكي تمثل في تحييد القدرات العسكرية الإيرانية، والحد من برنامج تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى تقويض البنية القيادية والعسكرية التي تدير النفوذ الإقليمي لطهران. ووفق هذا المعيار، تشير الوقائع إلى أن الضربات الأمريكية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية العسكرية، واستهدفت مراكز حساسة، إلى جانب إضعاف واضح في هرم القيادة من خلال ضرب قيادات الصفين الأول والثاني.
هذا التقدم العسكري، من منظور تكتيكي، يمكن اعتباره نجاحاً نسبياً في تحقيق الأهداف المباشرة للعملية. غير أن هذا النجاح لا يخلو من إشكاليات، إذ إن تحييد القدرات لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد، بل قد يؤدي في بعض الأحيان إلى إعادة تشكيله بصورة أكثر تعقيداً أو لامركزية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن كلفة الحرب لا تبدو عاملاً حاسماً في الحسابات الأمريكية، خاصة إذا ما قورنت بالعائد الاستراتيجي المتمثل في إضعاف الخصم.
كما أن التجربة تشير إلى أن واشنطن نادراً ما تتحمل وحدها الأعباء المالية لمثل هذه العمليات، إذ غالباً ما يتم توزيع الكلفة ضمن منظومة التحالفات، ولا سيما مع دول الخليج التي ترى في تقليص النفوذ الإيراني مصلحة مباشرة لها.
لكن الإشكالية الأعمق تكمن في ما بعد النتائج العسكرية المباشرة. فالتاريخ الحديث يوضح أن التفوق العسكري لا يترجم دائماً إلى استقرار سياسي. وقد يؤدي تدمير البنية التقليدية للخصم إلى فتح المجال أمام أنماط صراع غير تقليدية، أكثر صعوبة في الاحتواء وأطول زمناً في المعالجة.
من هنا، فإن توصيف سلوك ترامب بالغباء أو الجنون أو التهور قد يكون تبسيطاً مفرطاً لمشهد شديد التعقيد. فالرجل، سواء اتُفق معه أو اختلف، تحرك ضمن حسابات قوة واضحة، سعت إلى فرض واقع استراتيجي جديد في المنطقة.
إلا أن الحكم النهائي على هذه الحرب لن يُحسم في لحظة إعلان النصر، بل في ما ستكشفه المرحلة اللاحقة، هل نجحت واشنطن في تثبيت نتائجها، أم أنها فتحت باباً لصراع أكثر اتساعاً وأقل قابلية للسيطرة؟
في النهاية، قد يكون ما تحقق حتى الآن انتصاراً عسكرياً محدود الأفق، لكنه يظل مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين ترسيخ النفوذ الأمريكي، أو الانزلاق إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.
* رئيس التحرير