منذ سماع الخبر، والكلمات تختنق، والحروف تتلاشى، والحديث الصامت المؤلم ينخر القلب والروح والذكريات.. رحل الرئيس والمناضل والأب والصديق عبدربه منصور هادي. لم أشعر باختناق العبارات إلا في مناسبتين حزينتين، وهذه الثالثة.
كان الرئيس هادي يطمح إلى نقل اليمن إلى مرحلة جديدة من الشراكة في السلطة والثروة، وهما سببا كل صراعات اليمن منذ الأزل. تكالبت عليه مختلف الأطراف التي تهددت مصالحها، فأفشلوا مشروعه، بما في ذلك مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، التي لو تقاتل اليمنيون ألفي عام فسيعودون إليها، لأنها الحل الوحيد للمعضلة اليمنية، والوثيقة التي حظيت بأكبر إجماع يمني وإقليمي ودولي.
المرحوم هادي كانت علاقتي به كبيرة؛ سياسياً كحليف، وكرئيس ومرؤوس، وإنسانياً كأب وابن، وصديق صدوق صادق الوعد ومنصف. لم يكن يعرف الكذب أو الدجل السياسي أو اللف والدوران، وكان يترفع بنفسه عن الشتيمة والأحقاد السياسية.
في إحدى المناسبات، كنت معه في بيته بشارع الستين، وأظهر لي تألماً حاداً من بعض الوزراء والمحافظين الذين كانوا يريدون منه أن يتدخل في اختصاصاتهم، ولسان حاله يقول: لماذا عينتهم وزراء ومحافظين ثم يعودون إليّ بكل صغيرة وكبيرة؟
وفي أحداث يناير 1986م في عدن، كانت أصوات المعتقلين الذين أُتي بهم من محافظتي لحج والضالع تتعالى بالصراخ داخل السجن. سأل القائد عن سبب صراخهم، فقيل له إن الماء مُنع عنهم، فأمر فوراً بإحضار "بوزة" ماء لهم، وكانوا الوحيدين الذين نجوا من الموت عطشاً، بينما مات الآلاف عطشاً في معسكرات أخرى.
لقد تدرج الرئيس هادي في المسؤوليات، وكان سجله نظيفاً، ولم تكن لديه عصبية أو عنصرية تجاه أحد. ورحيله خسارة فادحة، ليس فقط لأولاده جلال وناصر وياسر، وأهله وذويه الذين نعزيهم ونسأل الله أن يلهمهم الصبر والسلوان، بل لكل اليمن؛ شماله وجنوبه، شرقه وغربه، سمائه وبحره وأرضه.
رحمة الله تغشاك يا أبا جلال، ونسأل الله أن يسكنك الفردوس الأعلى من الجنة يا أبا ناصر، ولك المجد والخلود يا أبا ياسر. نم قرير العين، فمبادئك وأهدافك وقيمك سيقاتل من أجلها الشعب اليمني، وستصونها الأجيال جيلاً بعد جيل.
وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
- الأمين العام لحزب الشعب الديمقراطي (حشد)