عندما تكلمت طهران.. سقطت أسطورة المشروع الوطني الحوثي

الرئيسية | مقالات | 25 يونيو 2026

د. نادين الماوري

كلما حاول الحوثيون إقناع اليمنيين بأنهم ⁧‫حركة‬⁩ وطنية مستقلة، جاءت تصريحات قادة إيران لتنسف هذه الرواية من جذورها.

‏فحين يخرج قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني متحدثًا عن باب المندب كما لو كان جزءًا من الجغرافيا الإيرانية، ثم يتبعه مستشار المرشد علي ولايتي بإدراج المضيق اليمني ضمن ⁧‫حزام المقاومة‬⁩ الممتد من هرمز إلى البحر الأحمر، فإن السؤال يصبح مشروعًا: 

‏من الذي يقرر الحرب والسلم في اليمن؟ صنعاء أم طهران؟

لقد كشف التصعيد الأخير حقيقة ظل الحوثيون يحاولون إخفاءها سنوات طويلة. فباب المندب بالنسبة لليمنيين ممر سيادي ومورد استراتيجي ومصلحة وطنية عليا، أما بالنسبة لإيران فهو مجرد ورقة تفاوض تستخدمها كلما اشتدت عليها الضغوط.

‏المفارقة أن الجماعة التي رفعت شعار ⁧‫الموت لأمريكا‬⁩  انتهت إلى أن تكون أداة لتحسين شروط التفاوض بين ⁧‫أمريكا‬⁩  ⁧‫وإيران‬⁩. فكل صاروخ يطلقه الحوثي، وكل تهديد للملاحة الدولية، لا يحرر ⁧‫فلسطين‬⁩ ولا يبني ⁧‫اليمن‬⁩، بل يضاف إلى رصيد الأوراق التي تساوم بها طهران على طاولات التفاوض.

‏والأكثر إثارة للسخرية أن الحوثيين يقدمون أنفسهم كمنتصرين، بينما الواقع يقول إنهم انتقلوا من مشروع السيطرة على الدولة اليمنية إلى وظيفة الحارس المتقدم للمصالح ⁧‫الإيرانية‬⁩ في البحر الأحمر.

‏لقد دُمرت مؤسسات الدولة، وتوقفت صادرات النفط، وتراجعت العملة، وتضاعفت معاناة اليمنيين، بينما كانت قيادة الجماعة منشغلة بإثبات ولائها لمحور لا يرى في اليمن سوى ساحة نفوذ.

‏أما الحديث عن ⁧‫"محور المقاومة‬⁩” الذي ما زال متماسكًا، فهو محاولة للتغطية على حقيقة أكثر وضوحًا: معظم أذرع إيران في المنطقة تعرضت لضربات قاسية، وأصبح الحوثي آخر الأوراق التي تحاول طهران التلويح بها لإثبات أنها ما زالت تمتلك أدوات تأثير.

‏لهذا فإن أخطر ما في التصريحات الإيرانية الأخيرة ليس التهديد بإغلاق باب المندب، بل اعترافها الضمني بأن القرار الحوثي جزء من الاستراتيجية الإيرانية. فلو كان الحوثي مشروعًا وطنيًا حقًا، لكان همه استعادة الدولة اليمنية، وصرف المرتبات، وإعادة الإعمار، لا تحويل اليمن إلى منصة رسائل إقليمية.

لقد سقط القناع مرة أخرى، وظهر المجرم الحوثي كما هو: ليس حركة تحرر وطني، ولا مشروع دولة، بل ذراع وظيفية تُستدعى كلما احتاجت إيران إلى رفع سقف التفاوض أو توجيه رسالة للغرب.

أما ⁧‫اليمن‬⁩، فسيبقى الخاسر الأكبر ما دام قرار الحرب والسلم يُصنع خارج حدوده، وتُستخدم مياهه وموانئه وشعبه وقودًا في معارك لا علاقة لها بمصالحه الوطنية.

 

- اكاديمية ودبلوماسية، ومفككة للبنية الفكرية السلالية

يونيو / 2026