صعدة في أرقام: ماذا بنت الجمهورية خلال 52 عامًا؟.. من ثورة 26 سبتمبر 1962 إلى عام 2014

الرئيسية | مقالات | 13 أغسطس 2026

د. نادين الماوري

حين نتحدث عن علاقة الجمهورية بمحافظة صعدة، لا نحتاج إلى المبالغة ولا إلى الدفاع العاطفي عن أي نظام حكم. هناك طريقة أكثر إنصافًا وقوة: دعوا الأرقام تتحدث.

فالسؤال ليس: هل أخطأت الحكومات الجمهورية في صعدة؟ نعم، أخطأت، وعانت المحافظة مثل غيرها من ضعف التنمية والمركزية والفساد، ثم دفعت ثمنًا باهظًا خلال الحروب الست.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه أمام السردية القائلة إن الجمهورية لم تقدم لصعدة شيئًا هو:

ماذا كانت صعدة عند قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، وماذا كان قائمًا فيها بعد أكثر من نصف قرن من الجمهورية؟

من التعليم التقليدي إلى 725 مدرسة

عند قيام الجمهورية لم تكن صعدة تمتلك شبكة تعليم عام حديثة بالمعنى المعروف اليوم. كان التعليم التقليدي والديني حاضرًا، وكانت المؤسسات التعليمية الحديثة محدودة للغاية.

ثم بدأت الدولة الجمهورية في بناء جهاز التعليم العام وتوسيعه في المدن والمديريات والقرى.

وبحلول عام 2010، كانت محافظة صعدة تضم 725 مدرسة بحسب الرقم الذي نقله تقرير لمنظمة Human Rights Watch عن مدير مكتب التربية والتعليم بالمحافظة.

وهذا ليس رقم مبانٍ فحسب.

إنه يعني شبكة تعليمية تضم طلابًا وطالبات ومعلمين وإدارات مدرسية ومناهج وامتحانات وشهادات رسمية، ووصول التعليم النظامي إلى مناطق كانت بعيدة عن مؤسسات الدولة الحديثة.

ثم جاءت الحرب لتضرب ما كان قائمًا.

فمن بين هذه المدارس تعرضت 70 مدرسة لدمار شبه كامل، وتعرضت 145 مدرسة أخرى لدمار جزئي أو نهب، بينما أشارت تقديرات أممية إلى أن عدد المدارس التي لحقتها أضرار كلية أو جزئية نتيجة القتال وصل إلى نحو 311 مدرسة بحلول نهاية 2010.

وهنا يصبح السؤال ضروريًا:

كيف يمكن استخدام المدارس المدمرة دليلًا على أن الجمهورية لم تبنِ مدارس أصلًا؟

المدرسة التي دمرتها الحرب كانت مؤسسة قائمة قبل أن تصبح ركامًا.

الصحة: مستشفى السلام نموذجًا

وفي القطاع الصحي نجد واحدًا من أهم المشروعات التي عرفتها صعدة في العصر الحديث: مستشفى السلام السعودي.

أنشأته المملكة العربية السعودية عام 1982م، وواصلت دعمه وتشغيله وتجهيزه.

ووصلت طاقته الاستيعابية إلى نحو 170 سريرًا، وضم تخصصات في الباطنية والجراحة والأطفال والنساء والولادة والعظام والعيون والمسالك البولية والأسنان والأنف والأذن والحنجرة، إضافة إلى الأشعة والمختبرات وغيرها.

والأمانة العلمية تقتضي ألا نسجل هذا المستشفى بوصفه مشروعًا مولته الحكومة اليمنية؛ فهو مشروع سعودي.

لكن هذه الحقيقة نفسها تكشف جانبًا مهمًا من تاريخ صعدة: الجمهورية لم تجعل المحافظة منطقة مغلقة أمام التنمية والشراكات الخارجية، بل أصبحت صعدة خلال عهدها تستقبل واحدًا من أبرز الاستثمارات الصحية السعودية في اليمن.

وهكذا يجب أن نكتب التاريخ: نعطي الدولة اليمنية ما لها، والسعودية ما لها، والصناديق العربية والدولية ما لها.

من العزلة الجغرافية إلى مشروع طريق بطول 710 كيلومترات

الطريق ليس مجرد إسفلت.

في محافظة جبلية مثل صعدة، الطريق يعني وصول الطالب إلى المدرسة، والمريض إلى المستشفى، والمزارع إلى السوق، ووصول الإدارة والخدمات إلى المواطن.

وخلال الحقبة الجمهورية ارتبطت صعدة تدريجيًا بشبكة الطرق الوطنية وبصنعاء وبالمنافذ الحدودية وبقية البلاد.

والأكثر دلالة هو ما كانت الدولة تخطط له عشية 2014.

فقد تبنت الحكومة مشروع ممر صعدة–عدن الدولي، وهو مشروع استراتيجي كان مخططًا أن يمتد لنحو 710 كيلومترات من شمال اليمن إلى جنوبه.

وكان الممر سيمر عبر ثماني محافظات، ويخدم بصورة مباشرة وغير مباشرة قرابة 15 مليون نسمة.

وفي يونيو 2014 أعلن البنك الدولي منحة مقدارها 133.54 مليون دولار لتمويل المرحلة الأولى، بالتوازي مع تمويل سعودي لمقطع آخر بقيمة 320 مليون دولار.

وللدقة: لم تكن الـ710 كيلومترات طريقًا منجزًا عام 2014، وإنما كانت طول الممر الاستراتيجي المخطط له، وبدأ تمويل وتنفيذ مراحله الأولى.

وهذه نقطة في غاية الأهمية.

ففي العام نفسه الذي انتهت عنده الفترة التي ندرسها، كانت صعدة مخططة لتصبح النهاية الشمالية لأحد أكبر مشروعات الطرق في تاريخ اليمن، يصلها بعدن ويربط شمال الجمهورية بجنوبها.

فهل هذه سياسة دولة تخطط لعزل صعدة، أم لدمجها في شريان اقتصادي وطني يمتد من الحدود الشمالية إلى بحر العرب؟

الأرقام في سطور

لدينا، مما يمكن تثبيته حتى الآن:

725 مدرسة في محافظة صعدة في سياق عام 2010.

70 مدرسة تعرضت لدمار شبه كامل أثناء الحروب.

145 مدرسة تعرضت لدمار جزئي أو نهب وفق المصدر نفسه.

ونحو 311 مدرسة ورد أنها تعرضت لأضرار كلية أو جزئية وفق تقديرات أممية بحلول نهاية 2010.

1982م سنة إنشاء مستشفى السلام السعودي بصعدة.

نحو 170 سريرًا طاقته الاستيعابية المعلنة.

710 كم تقريبًا طول ممر صعدة–عدن الاستراتيجي المخطط له.

8 محافظات كان سيمر بها المشروع.

نحو 15 مليون نسمة كان متوقعًا أن يستفيدوا منه مباشرة وغير مباشرة.

133.54 مليون دولار منحة من البنك الدولي للمرحلة الأولى عام 2014.

320 مليون دولار تمويل سعودي موازٍ لمقطع آخر من مشروع الطريق.

هذه ليست كل إنجازات الجمهورية في صعدة، وإنما الأرقام التي نستطيع وضعها الآن بثقة مع مصدر وسنة وسياق.

وما وراء الأرقام؟

المشكلة في اختزال تاريخ صعدة في المباني أننا ننسى التحول الأكبر: قيام المؤسسة.

خلال الحقبة الجمهورية أصبحت في صعدة أجهزة للتربية والتعليم والصحة والسلطة المحلية والقضاء والنيابة والزراعة والأشغال والمياه والكهرباء والاتصالات والمالية والخدمة المدنية والأمن وغيرها من مؤسسات الدولة.

دخل أبناء صعدة المدارس والجامعات والوظيفة العامة والجيش والأمن والإدارة والبرلمان والسلطة المحلية.

لم تكن المؤسسات مثالية، ولم تكن الخدمات متساوية، ولم تختفِ المركزية أو المحسوبية أو الفقر.

لكن وجود دولة ناقصة شيء، والقول إنه لم تكن هناك دولة أصلًا شيء آخر.

ثم جاءت الحروب

منذ عام 2004 دخلت صعدة مرحلة مختلفة.

أدت الحروب المتعاقبة إلى سقوط ضحايا ونزوح السكان وإغلاق المدارس وتضرر البنية التحتية وتعطيل التنمية.

وهنا تقع واحدة من أكبر مشكلات قراءة تاريخ صعدة:

يُنظر أحيانًا إلى الخراب الذي خلفته الحرب، ثم يُسقط بأثر رجعي على العقود السابقة، وكأن المنشآت المدمرة لم تكن موجودة أصلًا.

والمنهج الصحيح هو العكس:

أحصِ ما كان قائمًا قبل الحرب، ثم أحصِ ما دمرته الحرب.

عندها فقط نستطيع معرفة حجم البناء وحجم الخراب معًا.

هل كانت صعدة مهمشة؟

إذا كان المقصود بالتهميش أن صعدة لم تحصل على كل ما تحتاج إليه من التنمية، فهذا سؤال مشروع ويجب قياسه بمقارنة الإنفاق والخدمات ونصيب الفرد فيها بالمحافظات الأخرى.

أما إذا كان المقصود أن الجمهورية تعمدت إبقاء صعدة بلا مدارس ولا صحة ولا طرق ولا مؤسسات، فإن الوقائع المادية لا تسمح بهذه الصيغة المطلقة.

فالإنصاف لا يعني تبرئة الحكومات الجمهورية من أخطائها، كما لا يعني محو ما أُنجز في عهدها.

الجمهورية ليست رئيسًا

من الخطأ أيضًا اختزال اثنين وخمسين عامًا من تاريخ الجمهورية في شخص رئيس أو حكومة.

تعاقبت أنظمة وحكومات وسياسات، وأسهم اليمنيون أنفسهم، والدولة، والمملكة العربية السعودية، والصناديق العربية والمؤسسات الدولية في إنشاء جزء من البنية الحديثة للمحافظة.

ولهذا لا أقول: «الجمهورية أعطت صعدة كل شيء».

ولا أقبل المقولة المقابلة: «الجمهورية لم تعطِ صعدة شيئًا». الأدق تاريخيًا هو:

صعدة انتقلت خلال الحقبة الجمهورية من بنية محدودة المؤسسات الحديثة إلى محافظة تضم مئات المدارس ومؤسسات صحية وإدارية وطرقًا وخدمات، وظلت مع ذلك تعاني قصورًا تنمويًا حقيقيًا؛ ثم دمرت الحروب جزءًا معتبرًا مما تراكم خلال العقود السابقة.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يستحق دراسة ثانية:

ماذا تسلمت الجمهورية في صعدة عام 1962؟

ماذا كان قائمًا فيها عشية 2014؟

ثم السؤال الأكثر حساسية:

ماذا بقي من هذا الرصيد بعد سنوات الحرب والسيطرة الحوثية؟

لا أريد أن تجيب السياسة عن هذه الأسئلة.

أريد أن تجيب الأرقام.

أغسطس 2026