الذكاء الاصطناعي يفكك أصوات الحيوانات

الرئيسية | منوعات | 24 سبتمبر 2026 12:37 م

تكشف هذه التطورات عن فجوة علمية جوهرية بين قدرة الخوارزميات على تحليل الأصوات والتنبؤ بتسلسلها، وبين فهم الرسائل التي تنقلها.

حشد نت- عدن:

بات الذكاء الاصطناعي قادراً على رصد أنماط صوتية معقدة في تواصل الدلافين والفيلة والحيتان، في تطور يفتح آفاقاً جديدة لفهم عالم الحيوان، لكنه لم يصل بعد إلى ترجمة أصواته أو الكشف عن المعاني التي تحملها.

وتكشف هذه التطورات عن فجوة علمية جوهرية بين قدرة الخوارزميات على تحليل الأصوات والتنبؤ بتسلسلها، وبين فهم الرسائل التي تنقلها. فرصد نداء يتكرر عند اقتراب حيوان أو ظهور خطر لا يثبت بالضرورة أن النداء يعني «اقترب» أو «احذر»، وفق المفاهيم اللغوية البشرية.

ويعيد هذا التقدم طرح سؤال أساسي: هل يمهد الذكاء الاصطناعي الطريق لفهم تواصل الحيوانات، أم أن الأنماط التي يكتشفها قد تقود إلى استنتاجات تبدو مقنعة، من دون أن تعكس المعنى الحقيقي لأصواتها؟

 «دولفين جيما».. تحليل الأصوات دون فك معانيها

يمثل مشروع «دولفين جيما»، الذي طورته غوغل بالتعاون مع مشروع الدلافين البرية ومعهد جورجيا للتكنولوجيا، أحد أبرز الجهود البحثية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في دراسة التواصل الحيواني.

ويعتمد النموذج على تسجيلات واسعة لأصوات الدلافين، ويستطيع تحليلها واكتشاف التسلسلات المتكررة والتنبؤ بالأصوات التي قد تأتي لاحقاً، فضلاً عن توليد أصوات تحاكي أنماط نداءاتها.

غير أن هذه القدرات لا تعني أن النموذج يفهم ما تقصده الدلافين. فالتنبؤ بالصوت التالي لا يختلف، من حيث المبدأ، عن قدرة النماذج اللغوية على توقع الكلمة التالية في جملة، وهي قدرة لا تكفي وحدها لإثبات فهم المعنى أو التجربة التي يحاول الكائن التعبير عنها.

ويأمل الباحثون أن تسهم هذه الأدوات في ربط الأصوات بسلوك الدلافين والظروف المحيطة بها، بما قد يمهد لتطوير أنظمة تواصل محدودة بين البشر وهذه الحيوانات. لكن المشروع لا يقدم حتى الآن مترجماً قادراً على نقل حديث الدلافين إلى اللغة البشرية.

الفيلة.. نداءات تحمل هوية المتلقي

وفي دراسة منشورة بدورية «نيتشر إيكولوجي أند إيفولوشن»، توصل باحثون إلى أدلة تشير إلى أن فيلة السافانا الإفريقية قد تستخدم نداءات فردية تشبه الأسماء عند التواصل مع أفراد محددين.

واستخدم الفريق تقنيات التعلم الآلي لتحليل النداءات، قبل اختبار النتائج عبر تشغيل تسجيلات صوتية أمام الفيلة. وأظهرت التجارب استجابة أقوى من الحيوانات عندما سمعت نداءات موجهة إليها، مقارنة بنداءات موجهة إلى فيلة أخرى.

وتشير النتائج إلى أن بعض النداءات قد تتضمن معلومات تساعد على تحديد هوية المتلقي، في اكتشاف يعزز فهم العلماء لتعقيدات التواصل لدى الفيلة.

لكن تحديد هوية الحيوان المقصود بنداء معين لا يعني فك منظومة التواصل بأكملها، أو معرفة جميع المعاني والرسائل التي تحملها أصوات الفيلة.

حيتان العنبر.. بنية صوتية أكثر تعقيداً

وفي مسار بحثي موازٍ، حلل مشروع «سيتي» آلاف النقرات الصوتية التي تستخدمها حيتان العنبر، كاشفاً أنماطاً منظمة من التغيرات في الإيقاع والسرعة وعدد النقرات، إلى جانب إضافات صوتية أخرى.

وأظهرت دراسة منشورة في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» أن هذه العناصر الصوتية تتحد بطرق متنوعة، بما يشير إلى أن نظام التواصل لدى حيتان العنبر أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً.

ومع ذلك، لا يزال المعنى الفعلي لهذه الأصوات مجهولاً. فالكشف عن بنية صوتية منظمة، أو عناصر تشبه الأبجدية، لا يعني بالضرورة معرفة الكلمات التي تتكون منها أو الرسائل التي تنقلها.

تكمن إحدى أبرز العقبات أمام تطوير مترجم للغة الحيوانات في أن الارتباط بين صوت وسلوك معين لا يثبت أن الصوت يحمل المعنى الذي ينسبه إليه الباحثون.

فقد تتأثر النداءات بهوية الحيوان أو عمره أو حالته الانفعالية أو البيئة المحيطة به، ما يجعل تفسيرها أكثر تعقيداً من إسناد معنى واحد إلى كل صوت.

كما أن التواصل الحيواني لا يقتصر على الأصوات، بل قد يشمل الحركة واللمس والروائح ووضعية الجسم والإشارات البصرية. ومن ثم، فإن تحليل التسجيلات الصوتية بمعزل عن السياق السلوكي والبيئي قد يؤدي إلى تفسيرات جزئية أو مضللة.

ولا تقلل هذه التحديات من أهمية ما حققته تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ إذ باتت قادرة على فرز كميات هائلة من التسجيلات واكتشاف أنماط دقيقة يصعب على الباحثين رصدها بالوسائل التقليدية، بما يوسع نطاق دراسة التواصل الحيواني ويفتح مسارات بحثية جديدة.

لكن القدرة على اكتشاف ما يتكرر في أصوات الحيوانات لا تعادل القدرة على فهم ما تعنيه. وبين تحليل الإشارات وفك الرسائل، لا يزال «مترجم الحيوانات» احتمالاً علمياً واعداً، وليس تقنية أثبتت قدرتها على نقل حديث الكائنات إلى البشر.