في واقع يثقل كاهل الحياة، ويضغط على الأرواح قبل الأجساد، يستقبل ملايين اليمنيين في المناطق المنكوبة بسيطرة مليشيات الحوثي شهر رمضان هذا العام وهم غارقون في فقرٍ مدقع وعوز متجذر، عاجزين عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية التي لطالما امتازت بطقوسها الخاصة.
رمضان، الذي كان يومًا من أيام النور والصفاء الروحي، أصبح اليوم ضيفًا ثقيلًا يُذكِّر اليمنيين بما فقدوه، ويزيد من شعورهم بالعجز والحرمان.
لقد حولت مليشيات الحوثي هذا الشهر إلى مرايا قاسية للواقع، حيث انعدم الأمن الغذائي، وسُلبت المرتبات، وتلاشت المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لكثير من الأسر المحتاجة.
والنتيجة ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل إنسان محطم؛ فاليمني اليوم يعيش في حلقة مفرغة من الحرمان، تلتهم ماكينة الحوثي المالية كل عمله وجهده، ويخضع كل مشروع صغير لإتاوة هذه المليشيات. هكذا أصبح رمضان نفسه، الشهر الذي يفترض أن يحمل البركات، مناسبة لتجربة مضاعفة للحرمان، يجتمع صيام الجوع مع صيام الكرامة، وصيام الحرية الاقتصادية مع صيام الأمان النفسي.
هذه السيطرة الممنهجة للمليشيات على موارد الناس لا تُظهر براعة سياسية أو مالية بقدر ما تكشف عن سياسة اجتماعية قمعية ترى في الإنسان وسيلة، وفي الأرض موردًا، وفي الدين أداة للشرعية، وفي رمضان مناسبة للابتزاز النفسي والاقتصادي، بلا أي خجل أو محاسبة.
خلال السنوات الماضية، استطاعت مليشيات الحوثي أن تتحول من لص محترف وواثق جدًا من أحقية نفسه إلى رمزٍ لقوة استبدادية حديثة، قوة لا تقاس فقط بما تملكه من أسلحة، وإنما بما تملكه من نفوذ على أرزاق الناس وطموحاتهم وأحلامهم.
كل يوم يمر في ظل هذه القبضة الحديدية للمليشيات الحوثية درس قاس في عبودية العصر الحديث؛ إذ أصبحت الحرية الاقتصادية والكرامة الإنسانية مجرد أوهامٍ يتيمة لا تنجو من محكمة القوة التي أقامها هؤلاء على جسد المجتمع اليمني وروحه.
لم يعرف اليمنيون في تاريخهم مليشيا امتلكت مناعة فريدة من نوعها ضد الفضيحة كما امتلكتها مليشيات الحوثي. وكأن كل أصناف الفجور والفساد، وكل مظاهر الانحراف الأخلاقي التي قد تنكشف أمام أي مجتمع، باتت لديهم بلا أثر، وكأن الزمن والأخلاق والقيم عاجزة عن التأثير في مسارهم، مهما برعنا في تشخيص حقاراتهم، ومهما حاولنا فضح أساليبهم.
نحن أمام جماعة ذات بنية معقدة، كيان يدمج بين الأوهام والخرافات، وبين الطبائع السفلية، وبين عناصر نفسية مشوّهة، تنتظم كلها في كتلة واحدة متماسكة، لكنها مدفوعة بعماءٍ كوني رهيب.
في كل مرة تتعدد مظاهر التطفل السلالي، لكنها جميعًا تتقاطع عند نقطة واحدة: رغبة جامحة في الثراء، وضمان حياة خاصة آمنة مستقلة عن معاناة الآخرين. هذا هو المصير الذي تتشاركه كل المليشيات التي تنشأ على أطراف التاريخ، تلك الطفيليات التي تعيش على هامش الدولة والمجتمع، وتجد في الفوضى وسيلة لتثبيت وجودها.
باختصار: كل ما تمارسه مليشيات الحوثي ليس طارئًا أو عرضيًا، بل هو امتداد طبيعي لمنظومة الإمامة التي تأسست على أوهام السلالة والحق الإلهي، منظومة مارست الهيمنة والاستعباد كعقيدة إبادة، وحوّلت العنف إلى نهج حياة.
هذه المليشيا لا تقاتل لأنها غاضبة أو متأثرة بموقف، بل لأنها ورث سلالة جانحة شريرة، ترى في العنف وسيلتها الوحيدة للبقاء، ولا تستطيع أن تحكم دون سحق الآخرين، ولا أن تبرر سلطتها إلا بتحويل البشر إلى أدوات تحت أقدامها أو إلى جثث صامتة