ليست العلاقة بين اليمن والمملكة العربية السعودية علاقة حدودٍ وجوار فحسب، بل هي علاقة تاريخٍ ممتد، وامتزاج اجتماعي، وتشابك مصيري يجعل من أي تهديد لأحدهما تهديدًا مباشرًا للآخر. ومع التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير، لم تعد هذه العلاقة خيارًا سياسيًا، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية في صميم الأمن القومي العربي.
اليمن، بموقعه الجغرافي، يمثل الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية، والممر الحيوي نحو البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يجعل استقراره ليس شأنًا داخليًا، بل ركيزة من ركائز استقرار الإقليم. ومن هنا، فإن أي محاولة لاختطاف الدولة اليمنية أو إعادة تشكيلها خارج إطارها الوطني، هي في حقيقتها محاولة لإعادة رسم التوازنات العربية بالكامل.
حين تدخلت المملكة ضمن عملية عاصفة الحزم، لم يكن الهدف مجرد دعم سلطة سياسية، بل منع سقوط اليمن في يد مشروع عابر للحدود يسعى لتفكيك الدولة، وإعادة إنتاج المنطقة على أسس طائفية ومليشياوية. لقد كان ذلك التدخل تعبيرًا واضحًا عن إدراك عميق بأن سقوط صنعاء لا يتوقف عند حدود اليمن، بل يمتد أثره إلى عمق الجزيرة العربية بأكملها.
غير أن اللحظة الفارقة لم تُصنع في غرف القرار، بل في الميادين.
في مأرب، تعز، حضرموت، خرجت المليونيات لتقول ما حاولت المليشيا طمسه لسنوات: اليمن شعب… لا مليشيا. اليمن دولة… لا سلالة. واليمن عربي الهوية… لا تابع لمشروع خارجي.
هذه الحشود لم تكن مجرد تعبير احتجاجي، بل كانت استفتاءً شعبيًا مباشرًا على هوية اليمن ومستقبله. في مأرب، حيث صمدت مؤسسات الدولة حين سقطت العاصمة، أكد الناس أن الجمهورية لم تُهزم. في تعز، المدينة التي دفعت ثمن رفضها للمليشيا حصارًا وحربًا، جاء الصوت أكثر وضوحًا: لا شرعية للسلاح خارج الدولة. وفي حضرموت، حيث العمق التاريخي والاستقرار النسبي، تجسدت الحكمة السياسية في رسالة واحدة: الدولة هي الضامن الوحيد للهوية والاستقرار.
وهنا تتجلى العلاقة اليمنية السعودية في أعمق معانيها:
ليست علاقة تبعية كما يحاول خصومها تصويرها، وليست تحالفًا عابرًا تحكمه اللحظة، بل هي شراكة استراتيجية في مواجهة تهديد مشترك يستهدف الدولة والهوية معًا.
فالمملكة العربية السعودية، بحكم مكانتها الدينية واحتضانها للحرمين الشريفين، تمثل الرمز المركزي للعالم الإسلامي السني، كما تمثل ركيزة الاستقرار في الخليج. وفي المقابل، يشكل اليمن العمق التاريخي والبشري للجزيرة العربية، وخط الدفاع الأول عن خاصرتها الجنوبية.
إن استهداف اليمن لم يكن يومًا معزولًا عن استهداف هذا العمق، كما أن الدفاع عن اليمن هو في جوهره دفاع عن الأمن القومي العربي ككل.
لقد حاولت المشاريع العابرة للحدود خلال السنوات الماضية تحقيق هدفين متوازيين: الأول: تفكيك الدولة الوطنية الثاني: ضرب الهوية العربية واستبدالها بهويات طائفية أو ولاءات خارجية
لكن ما حدث في المليونيات الشعبية قلب هذه المعادلة: الشعب استعاد صوته، وأسقط رواية المليشيا، وأعاد تعريف نفسه كفاعل سياسي لا كأداة في مشروع خارجي.
وهنا يظهر بوضوح أن المشروع العربي لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. مشروع يقوم على حماية الدولة، وصيانة الهوية، ومنع اختراق المجتمعات من الداخل، وتأمين استقرار الإقليم في مواجهة الفوضى.
إن العلاقة اليمنية السعودية اليوم تمثل نموذجًا لتحالف عربي يقوم على المصير المشترك، لا على المصالح الضيقة. والمليونيات في مأرب وتعز وحضرموت لم تكن مجرد مشاهد عابرة، بل كانت إعلانًا واضحًا:
أن اليمن جزء أصيل من محيطه العربي، وأن الشعب اليمني يرفض أن يُختطف أو يُعاد تعريفه، وأن معركة الدولة والهوية مستمرة حتى استعادتهما كاملتين.
اليمن قال كلمته… والعرب مطالبون بقراءتها جيدًا.
* أكاديمية ودبلوماسية سابقًا 1 أبريل 2026م