من الورش إلى الواقع: مكافحة الفساد «إرادة سياسية» لا «أوراق عمل»

الرئيسية | مقالات | 14 ابريل 2026

نزيه عبدالعزيز الشعبي

إلى رئيس مجلس الوزراء.. إلى أعضاء مجلس القيادة الرئاسي.. إلى السادة الوزراء: إن تدشين ورشة عمل لوضع إطار استراتيجي لمكافحة الفساد في عدن خطوة لا يمكن إنكار أهميتها «نظريًا»، لكن في علم الاستراتيجية، السياسات التي لا تحمي المنفذين هي سياسات ميتة، وأي استراتيجية لا تبدأ بإنصاف «ضحايا النزاهة» ليست سوى استهلاك إعلامي يزيد من فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وتجاهل لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

حين يتحول الدفاع عن المال العام إلى «تهمة» يُعاقب عليها الموظف وأسرته، تكون منظومة الفساد قد تحصنت داخل مفاصل القرار.. هنا يدفع الشرفاء ضريبة النزاهة في بيئة تُدار بعقلية «الغنيمة» لا عقلية «الدولة».. ومن هذا المنطلق، نود توضيح ما يلي:

1- الفساد ليس «جهلًا» باللوائح.. بل «تعطيل» لها

مشكلتنا في اليمن ليست في نقص النصوص أو الأطر التنظيمية، بل في «تسييس الوظيفة العامة».. الفساد اليوم يُمارس «بالقانون» عبر تعطيل أدوار الجهات الرقابية وإقصاء الكفاءات التي ترفض تمرير المخالفات.

حين يُوقف المسؤول النزيه لأنه قال «لا» للتجاوزات، تُرسل الدولة رسالة ضمنية مفادها أن الفساد هو الطريق للبقاء، وهذا جوهر الفساد الذي نهى الله عنه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾.

2- استراتيجية «حماية المحاربين»: الاختبار الحقيقي للمصداقية

لا تستقيم «الشفافية» بينما يواجه الموظف العام التشريد والحرمان لتمسكه بالقانون.

إن أولى خطوات الإصلاح الجاد هي:

تفعيل نظام الحماية للمبلغين: منع أي إجراءات عقابية تعسفية ضد حماة المال العام، استجابة للأمر النبوي: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره…».

إعادة الاعتبار الفوري: إنصاف الكوادر الوطنية التي أُقصيت بسبب مواقفها القانونية هو المدخل العملي لإثبات الجدية، فالعدل أساس الملك، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.

3- من «الشعارات» إلى «الإجراءات»: خارطة طريق عاجلة

استقلال الجهاز المركزي للرقابة وتفعيله: تحريره من التبعية السياسية، ورفده بكوادر مهنية، ومنحه الحصانة والامتيازات التي تمنع استقطابه أو ترهيبه، لتفعيل رقابة مؤسسية صارمة.

تطبيق الأنظمة المالية الرقمية والأتمتة: الانتقال الكامل إلى الأنظمة الإلكترونية الذكية في تحصيل الموارد، لقطع يد العبث في الضرائب والجمارك ورسوم الخدمات، وتقليص التدخل البشري الذي يفتح أبواب الفساد.

العدالة الناجزة: تفعيل المحاكمات العلنية لـ«الحيتان»، فالقانون الذي يُطبق على الضعيف ويُستثنى منه القوي نذير هلاك الدول، كما حذر النبي ﷺ: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».

دولة رئيس الوزراء: 

لقد أصبحت النزاهة في اليمن اليوم «فعل بطولة» يدفع صاحبها ثمنًا باهظًا، بينما ينعم الفاسد بالحماية والتمكين. إذا أردتم نجاح «الإطار الاستراتيجي»، فاجعلوا من حماية «الشرفاء» الركيزة الأولى في مؤسساتكم.

فالفساد لا يُكافح بالأوراق، بل بالرجال الذين لا يرتعشون أمام القانون، ويضعون نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

إن إنصاف من دافع عن المال العام وأُقصي بسببه هو المعيار الحقيقي الذي سيحكم به الشعب والتاريخ على صدق توجهاتكم. فالاستراتيجية الحقيقية هي التي تُحوّل «النزاهة» من مغامرة شخصية إلى نظام محمي بقوة الدولة.. فهل أنتم مستعدون لهذه المواجهة؟.