موعدنا صنعاء.. ما وراء رسالة الفريق طارق صالح للمقاتلين؟

الرئيسية | مقالات | 16 اكتوبر 2026

محمد الصباري

ليست كل رسالة إلى المقاتلين حديثاً عن الجبهات، ولا كل خطاب في زمن الحرب محصوراً في رفع المعنويات.. بعض الرسائل تضع الصراع أمام حقيقته، وتعيد التذكير بما قامت من أجله المعركة، وما ينبغي أن تنتهي إليه.. وفي رسالته إلى المقاتلين، يضع الفريق طارق صالح ثورتي سبتمبر وأكتوبر في قلب المواجهة الراهنة، مستدعياً جوهرهما التحرري في مواجهة مشروع الولاية والوصاية الإيرانية.

هنا تتجاوز الكلمات حدود المخاطبة العسكرية لتطرح القضية في معناها الأعمق: أي يمن نريد أن نستعيد، وأي جمهورية ينبغي أن تقوم على أنقاض الانقلاب؟ ما استوقفني في الرسالة أن الفريق طارق صالح أعاد ترتيب المشهد من زاوية الهوية الوطنية، مستدعياً ثورتي سبتمبر وأكتوبر بوصفهما محطتين في تاريخ واحد من مقاومة الوصاية، والدفاع عن حق اليمنيين في حكم أنفسهم. وهذه الإحالة ليست تفصيلاً احتفالياً تفرضه المناسبة، بل تحمل سؤالاً يتصل بجوهر الصراع:

ما الذي يجعل المعركة امتداداً لتجربة وطنية سابقة، وما الذي يمنحها مشروعيتها في الحاضر؟

في قراءتي، تكمن أهمية هذا الربط في أنه ينقل النقاش من حدود المواجهة العسكرية إلى طبيعة المشروع الذي ينبغي أن ينتصر. فالثورات لا تستعاد بمجرد استحضار أسماء أبطالها أو ترديد شعاراتها، وإنما باستعادة المبدأ الذي قامت عليه: أن يكون اليمن ملكاً لأبنائه، وأن تكون السلطة مسؤولية عامة تستند إلى المواطنة، لا امتيازاً تمنحه السلالة أو تفرضه القوة أو تصادره العقيدة السياسية المغلقة.

من هنا تكتسب الإشارة إلى المشروع الإيراني ومفهوم الولاية دلالتها في خطاب طارق صالح.. المسألة، وفق هذا التصور، تتجاوز وجود قوة مسلحة تسيطر على العاصمة ومؤسسات الدولة، إنها تتصل بصورة الحكم التي تريد فرضها، وبالمكان الذي يراد لليمني أن يشغله داخلها.. هل هو مواطن له حقوق متساوية، أم تابع يطلب منه التسليم لسلطة فوق المساءلة؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن أي قراءة جادة للصراع اليمني.. فالمشكلة الوطنية لا تختزل في تبديل سلطة بأخرى، ولا تنتهي باستعادة مبنى حكومي أو رفع علم الجمهورية فوق مؤسسة.. جوهرها أن تستعيد الدولة معناها، وأن يعود اليمني صاحب حق في وطنه، وأن يصبح القانون مرجعاً للجميع، من دون استثناءات تفرضها القوة أو النسب أو الولاءات العابرة لحدود البلاد.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في الرسالة هو انتقالها من الحديث عن المقاتلين إلى وصفهم بأنهم نواة مشروع الدولة وحماتها.. هنا تتغير زاوية النظر إلى الجندي ،فهو في هذا الخطاب أكثر من عنصر في تشكيل عسكري، وأكثر من بندقية تنتظر أمراً بالتحرك.. إنه جزء من معادلة أوسع، تتصل بما ستؤول إليه البلاد، وبالمؤسسات التي يفترض أن تحمي اليمنيين بعد انتهاء الحرب.

لكن هذا المعنى يضع المقاتل أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن واجبه في الميدان.. فحماية الجمهورية تبدأ من الانضباط، واحترام حياة الناس وحقوقهم، وصون كرامتهم، والالتزام بالقانون. وإذا كانت الدولة هي الغاية، فلا بد أن تكون قيمها حاضرة في سلوك المدافعين عنها؛ لأن المؤسسة التي تنشد بناء دولة عادلة مطالبة بأن تجعل من العدل والانضباط والمسؤولية جزءاً من تكوينها اليومي.. وليس في ذلك ترف فكري أو حديث مؤجل إلى ما بعد المعركة.. على العكس، هذه المعاني هي التي تمنح التضحيات وجهتها، وتحول دون اختزال النضال الوطني في حسابات القوة وحدها. السلاح يستطيع أن يحمي موقعاً، لكن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يحتاج إلى سلوك يثبت أن استعادة الجمهورية تعني استعادة الحقوق أيضاً.

أما حديث الفريق طارق صالح عن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، وربطه بينها وبين محاولة تصدير الأزمات، فيضع العمليات العسكرية ضمن سياق سياسي أوسع.. فالقوة لا تقاس بعدد الأسلحة التي تطلق، وإنما كذلك بالهدف الذي تخدمه، والكلفة التي يتحملها المجتمع، والنتيجة التي تتركها على مستقبل البلاد.. وبينما تتباين القراءات السياسية لدوافع التصعيد ونتائجه، تبقى حماية المدنيين وصون أمن اليمنيين وجيرانهم مسؤولية لا ينبغي إخضاعها للمزايدات.

وأجد أن الرسالة، في جانبها المعنوي، تحاول تثبيت فكرة يحتاج إليها المقاتل في الحروب الطويلة: ألا يفقد الصلة بين مشقة الحاضر والغاية التي خرج من أجلها.

الجبهات لا تختبر بالسلاح وحده، بل بقدرة الرجال على الاحتفاظ بوضوح الهدف، وعلى التمييز بين ما تقتضيه الضرورة العسكرية وما تفرضه الحسابات المتقلبة.. غير أن الثبات على المبدأ يظل أكثر قيمة حين يقترن ببصيرة سياسية تعرف أن النصر المنشود ينبغي أن يفتح طريقاً إلى دولة مستقرة، لا إلى دورة جديدة من الصراع..

وأحسب أن عبارة «موعدنا صنعاء، وعهدنا الجمهورية» هي أكثر عبارات الرسالة قدرة على اختصار مقصدها.. صنعاء هنا ليست مجرد نقطة على خارطة العمليات، بل عاصمة دولة اختطفت مؤسساتها من مواطنيها، ومركز سياسي لا يمكن أن يستقر اليمن من دونه على أساس وطني جامع.. أما الجمهورية، فهي العهد الذي يحدد الغاية من الوصول، والمعيار الذي ينبغي أن تقاس به النتائج.

والفارق كبير بين أن تكون صنعاء غاية عسكرية في ذاتها، وأن تكون استعادتها مدخلاً لاستعادة الدولة.. الأولى تنتهي عند السيطرة على المكان، أما الثانية فتبدأ من هناك ، من إعادة بناء المؤسسات، وإنهاء منطق السلاح الموازي، وضمان المواطنة المتساوية، وفتح المجال أمام اليمنيين ليقرروا مستقبلهم بعيداً عن الإكراه والوصاية.

وهنا تحديداً أرى أن الاختبار الأهم لأي مشروع وطني لا يكمن في قدرته على استعادة الأرض وحدها، بل في قدرته على الإجابة عما بعدها: كيف ستدار الدولة؟ كيف ستصان حقوق المواطنين؟ كيف ستوحّد المؤسسات العسكرية والأمنية؟ وكيف يمكن تحويل التضحيات إلى أساس لسلام مستدام، لا إلى ذاكرة إضافية للفقد؟

هذه أسئلة لا تنتقص من قيمة المعركة، بل تمنحها معناها الأبعد. اليمنيون الذين دفعوا أثماناً باهظة في مواجهة الانقلاب يستحقون دولة لا تعيد إنتاج أسباب أزماتهم، وجمهورية لا تبقى اسماً في الخطابات، بل تصبح واقعاً يلمسونه في الأمن والعدالة والخدمات والكرامة.

لهذا قرأت رسالة طارق صالح باعتبارها تذكيراً بالوجهة، قبل أن تكون خطاباً لرفع المعنويات.. الوجهة هي التي تمنح الثبات معناه، والغاية هي التي تميز بين معركة تستنزف الرجال ومعركة تسعى إلى إنهاء أسباب الاستنزاف.

موعدنا صنعاء، وعهدنا الجمهورية.. ليست المسألة، في نهاية المطاف، أن نصل إلى العاصمة فحسب، بل أن نصل إليها ومعنا الفكرة التي خرج اليمنيون من أجلها في سبتمبر وأكتوبر: وطن لا يختزل في جماعة، ولا يختصر في سلطة، ولا يدار بمنطق المحسوبية، بل يتسع لجميع أبنائه على قاعدة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

ذلك هو المعنى الذي يستحق أن يبقى حاضراً في وجدان كل مقاتل، وفي ضمير كل سياسي، وفي حسابات كل من يتحدث باسم المستقبل اليمني. العهد صنعاء✌️